كتب مايكل هورويتز في تحليل نشره موقع المجلة أن إسرائيل ما زالت، بعد ثلاث سنوات من هجمات 7 أكتوبر، تعيش تحت وطأة ذلك اليوم، فيما تستعد لإجراء انتخابات في 27 أكتوبر وسط أزمة ثقة عميقة بين المواطنين وقيادتهم السياسية والعسكرية. ويرى الكاتب أن إسرائيل استعادت جزءًا كبيرًا من قدرتها على الردع، لكنها لم تستعد ثقة مواطنيها بحكومتهم، وأن الانتخابات المقبلة قد تغيّر القيادة، لكنها لن تنهي بالضرورة ما يمكن وصفه بـ«أكتوبر الطويل».


تشبه الأزمة الحالية إلى حد بعيد ما عاشته إسرائيل بعد حرب أكتوبر 1973. فقد شكّلت الحكومة حينها لجنة أجرانات للتحقيق في إخفاقات الحرب، وأدت نتائج التحقيق والضغط الشعبي إلى استقالة رئيسة الوزراء جولدا مائير. وبعد أربع سنوات، خسر حزب العمل الانتخابات لصالح مناحيم بيجن في تحول سياسي عُرف باسم «الانقلاب» أو «الماهباخ». ولم يقتصر أثر ذلك التحول على تغيير الحكومة، إذ تبعته زيارة الرئيس المصري أنور السادات إلى إسرائيل عام 1977، ثم اتفاقيات كامب ديفيد عام 1978، ومعاهدة السلام المصرية الإسرائيلية عام 1979.


واليوم، يبدو أن إسرائيل تقف أمام لحظة مشابهة، لكن مع فارق جوهري: لا تزال القيادة السياسية الحالية عاجزة عن تقديم إجابة مقنعة بشأن كيفية منع تكرار إخفاق 7 أكتوبر، كما لم تحسم الدولة الاتجاه الذي تريد أن تسلكه بعد سنوات من الحرب.

 


حرب طويلة وثقة لم تستعد عافيتها


بعد هجمات 7 أكتوبر، دخلت إسرائيل في سلسلة من العمليات العسكرية التي امتدت من غزة إلى لبنان وسوريا وإيران. وعلى الرغم من النجاحات العسكرية، لم يشعر الإسرائيليون بأن هذه العمليات أغلقت الملفات التي فتحتها الحرب.


وأظهر استطلاع أجراه معهد دراسات الأمن القومي أن 38 في المائة من الإسرائيليين يرون أن بلادهم انتصرت على حزب الله، بينما رأى 27 في المائة أنها انتصرت على حماس، وقال 23 في المائة إن إسرائيل انتصرت في مواجهة إيران. وتعكس هذه الأرقام نجاحًا عسكريًا نسبيًا، لكنها لا تعني بالضرورة شعورًا بالنصر السياسي أو الاستراتيجي.


في غزة، انتهت أزمة الرهائن في يناير 2026، لكن ذلك لم يؤد إلى تسوية نهائية. فقد سيطرت إسرائيل على نحو 53 في المائة من القطاع في مرحلة من مراحل الحرب، ثم ارتفعت النسبة إلى نحو 60 في المائة، بينما أشارت تقديرات لاحقة إلى اقترابها من 70 في المائة. وقال رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو في 2 سبتمبر: «نحن نسيطر على الأرض. ولن ننسحب».


وفي المقابل، قبلت حماس في أواخر يوليو خارطة طريق من 15 نقطة طرحها «مجلس السلام»، لكن إسرائيل لم توقّع عليها. ولم تُسلّم الأسلحة، كما لم تنتشر قوة الاستقرار الدولية التي كان يفترض أن تساعد في تثبيت الترتيبات الجديدة، ولم تتحول خطة التعافي البالغة قيمتها 2.45 مليار دولار إلى واقع ملموس.


وتكرر المشهد في لبنان. ففي 2 مارس 2026، انضم حزب الله إلى الحرب مع إيران، فعادت إسرائيل إلى اجتياح جنوب لبنان. وفي 16 أبريل، توصل الطرفان إلى وقف لإطلاق النار وبدأت محادثات مباشرة. وأصدر لبنان قرارًا بحظر الجناح العسكري لحزب الله، بينما انسحبت إسرائيل من ثلاث مناطق تجريبية، لكنها رفضت التقدم أكثر قبل ضمان نزع سلاح الحزب.


أما في سوريا، فقال أحمد الشرع في أواخر سبتمبر إن الطرفين أنجزا 90 في المائة من التفاهمات المتعلقة باتفاق أمني، قبل أن تنسحب إسرائيل من المسار.


وفي إيران، دخلت الحرب مرحلة أكثر خطورة في 28 فبراير 2026 عندما نفذت إسرائيل والولايات المتحدة ضربات مشتركة أسفرت عن مقتل المرشد الأعلى الإيراني. لكن الحرب تحولت لاحقًا إلى مواجهة حول ناقلات النفط ومضيق هرمز، بعد انهيار مذكرة تفاهم توسطت فيها باكستان، وأصبح مسار الصراع النهائي إلى حد كبير خارج سيطرة إسرائيل.


ويشير هورويتز إلى أن هذا المسار يختلف عن العقيدة التي تبناها ديفيد بن جوريون، والتي قامت على خوض حروب قصيرة ثم الانتقال سريعًا إلى المسار الدبلوماسي. أما حكومة نتنياهو، فقد ركزت بصورة أكبر على السيطرة على الأراضي وتحقيق مكاسب عسكرية، من دون أن تتمكن من تحويل هذه المكاسب إلى تسوية سياسية واضحة.

 


إخفاق 7 أكتوبر وأزمة المحاسبة


تظل مسألة المسؤولية عن إخفاق 7 أكتوبر في قلب الأزمة السياسية الإسرائيلية. ويؤيد نحو ثلاثة أرباع الإسرائيليين تشكيل لجنة تحقيق رسمية تدرس أسباب الهجوم والإخفاقات التي سبقته، بينما قال 68 في المائة من اليهود الإسرائيليين إن أحداث 7 أكتوبر ستكون عاملًا أساسيًا في اختيارهم الانتخابي.


لكن نتنياهو عارض تشكيل لجنة الدولة للتحقيق، واقترح بدلًا منها آلية أخرى تمتد مهمتها إلى ملفات أوسع، من بينها اتفاقات أوسلو وانسحاب إسرائيل من غزة. وظل الملف عالقًا، فيما تركت المحكمة العليا القرار النهائي للحكومة المقبلة.


وتزداد الأزمة تعقيدًا بسبب التقارير التي تحدثت عن تحذيرات سبقت الهجوم. فقد أفادت «هآرتس» و«نيويورك تايمز» بأن رئيس دولة الإمارات محمد بن زايد حذر نتنياهو في سبتمبر 2023 من استعداد قادة غزة لهجوم كبير، كما تحدثت تقارير في «ذا أتلانتيك» و«وول ستريت جورنال» عن تحذيرات مصرية. وينفي نتنياهو تلقيه تحذيرًا من هذا النوع، بينما لم تؤكد الإمارات هذه الرواية بصورة رسمية.


وبغض النظر عن تفاصيل التحذيرات، فقد كشفت الأزمة عن تدهور الثقة بين القيادة السياسية والأجهزة الأمنية. وظهرت مؤشرات على رفض نتنياهو عقد لقاءات مع بعض المسؤولين الأمنيين، في وقت أصبحت فيه العلاقة بين المستوى السياسي والمؤسسة العسكرية أكثر توترًا.


ولا تقتصر المشكلة على المحاسبة الداخلية، إذ يرى الكاتب أن إسرائيل أصبحت تعتمد بدرجة أكبر على الولايات المتحدة في إدارة أزماتها الأمنية. فقد تولت واشنطن دورًا رئيسيًا في ترتيبات وقف إطلاق النار في غزة، والمفاوضات المتعلقة بلبنان، والجهود الخاصة بمضيق هرمز.


ويرى نحو نصف الإسرائيليين أن الإدارة الأمريكية أصبحت صاحبة التأثير الأكبر في القرارات الأمنية مقارنة بحكومتهم. ويشكل ذلك تحولًا مهمًا بالنسبة إلى دولة لطالما أكدت استقلالية قرارها الأمني.


كما أصبحت المساندة الأمريكية أكثر ارتباطًا بالرئيس والحزب الموجودين في البيت الأبيض، بينما انتقلت أوروبا تدريجيًا من الانتقاد السياسي إلى فرض إجراءات عقابية. وفي الوقت نفسه، لا تزال السعودية تربط تطبيع العلاقات مع إسرائيل بوجود مسار موثوق نحو إقامة دولة فلسطينية، ما يجعل تحقيق اختراق إقليمي جديد أكثر تعقيدًا.

 


انتخابات 27 أكتوبر ومستقبل إسرائيل


تأتي الانتخابات المقبلة في وقت يبدو فيه المجتمع الإسرائيلي متفقًا إلى حد كبير على أهمية الأمن، لكنه منقسم بشأن القيادة والاستراتيجية. ويتقدم المشهد عدد من المنافسين المحتملين لنتنياهو، من بينهم غادي آيزنكوت ونفتالي بينيت وأفيغدور ليبرمان، وهم جميعًا شخصيات ذات مواقف أمنية متشددة نسبيًا.


ومن المرجح أن تتركز الحملة الانتخابية على إخفاق 7 أكتوبر، وإعفاء اليهود الحريديم من الخدمة العسكرية، ومستقبل الحرب، إلى جانب قضية طلب نتنياهو العفو. لكن السؤال الأهم لن يكون فقط: من سيحكم إسرائيل؟ بل: ماذا ستفعل القيادة الجديدة بعد وصولها إلى السلطة؟


ويتوقع الكاتب أن تكون عملية تشكيل الحكومة طويلة ومعقدة، في ظل سعي الأحزاب الحريدية إلى الحفاظ على إعفاءات الخدمة العسكرية، واحتمال لعب الأحزاب العربية دورًا في تحديد موازين القوى. كما قد تتحول لجنة التحقيق في 7 أكتوبر، وملف التجنيد، وطلب العفو الذي قدمه نتنياهو إلى أوراق تفاوضية في تشكيل الائتلاف المقبل.


وعلى الرغم من التغيير المحتمل في القيادة، فمن غير المرجح أن تتغير الخطوط العريضة للعقيدة الأمنية الإسرائيلية بسرعة. فقد أصبحت مواجهة إيران، وحزب الله، وحماس، والتهديدات الإقليمية الأخرى جزءًا راسخًا من الحسابات الأمنية للدولة. كما يبدو أن الحرب مع إيران ستنتهي في النهاية عبر تفاوض تقوده الولايات المتحدة، وليس بقرار إسرائيلي منفرد.


ويخلص هورويتز إلى أن إسرائيل استعادت بعد سنوات الحرب قدرتها على إثارة الخوف لدى خصومها، لكنها لم تستعد بالقدر نفسه ثقة مواطنيها. وقد تغير الانتخابات المقبلة القيادة السياسية، وربما تفتح الباب أمام مرحلة جديدة، لكن إنهاء «أكتوبر الطويل» يتطلب أكثر من تغيير الوجوه.


فإسرائيل تحتاج إلى حكومة مستعدة لتحمل مسؤولية إخفاقات الماضي، والإجابة عن الأسئلة التي تركها 7 أكتوبر معلقة، ثم تحديد اتجاه واضح للمستقبل. وإذا بقيت الدولة تدير أزماتها العسكرية واحدة تلو الأخرى من دون رؤية سياسية بعيدة المدى، فقد تنتهي الحرب، لكن آثار 7 أكتوبر ستظل حاضرة في السياسة والمجتمع الإسرائيليين لسنوات طويلة.

 

https://en.majalla.com/node/333426/politics/israel%E2%80%99s-long-october